حسن الأمين

318

مستدركات أعيان الشيعة

الذي يتشوقون إلى تحقيقه ، فالواحد منهم الذي ولد في الفقر ونشا فيه وأمضى طفولته وصباه محروما ، والذي لم تجتمع لأبيه في يوم من الأيام خمسة دنانير كتلة واحدة . كان حلمه كما كان حلم أهله أن يروا في آخر كل شهر خمسة دنانير تنهل عليهم متدافعة بين أيديهم . وإذا كان بين هذا الخليط العجيب من التلاميذ من ذكرنا من أمره ما ذكرناه فقد كان فيهم العديد من المتفوقين بل النوابغ . وقد كان يحز في نفسي أن أتصور ضياع هذه المواهب غدا في حياة القرى النائية وفي تعليم صبيانها ، فأخذت على نفسي إنقاذ من أستطيع إنقاذه منهم . وقد كان طريق فريق منهم معبدا ، وهم الأذكياء من غير أصحاب المواهب الأدبية ، فلم يكن عليهم إلا أن يصبروا أنفسهم على تحمل الفقر سنين أخرى ، وأن يرضوا بالتخلي عن قبض خمسة دنانير في كل شهر عما قريب ، وأن يرجئوا ذلك إلى مدة أبعد كي يقبضوا لا خمسة دنانير ، بل أضعافها ، وذلك بان يتقدموا إلى امتحانات الشهادة المتوسطة التي يؤهلهم النجاح فيها إلى دخول دار المعلمين الابتدائية ، إلا على درجة ، والأكثر راتبا عند التخرج منها . ثم إذا كانوا يستطيعون أن يكونوا أكثر صبرا وتحملا ، أن يتقدموا إلى امتحانات الشهادة الثانوية عند تخرجهم من دار المعلمين الابتدائية ، التي يؤهلها نجاحهم فيها إلى دخول دار المعلمين العالية ( الجامعية ) وبذلك يصبحون مدرسين في المدارس الثانوية ذات الرواتب المرتفعة . وفي هاتين المرحلتين سيكون مضمونا لهم المسكن والمأكل المجانيين ، على ما هو عليه الحال في دار المعلمين الريفية . ثم إذا وطنوا النفس على الصبر الأطول وجدوا واجتهدوا فقد يرسلون في بعثات علمية حكومية إلى الخارج فيرجعون بشهادة الدكتوراه التي يصبحون بها أساتذة جامعيين . لقد أغرى هذا الحال فريقا قليلا فوطدوا العزم على تحقيق ما يدعو إليه ، فوصل بعضهم إلى دار المعلمين الابتدائية وتخرج منها ، ولكنه لم يطلق الصبر أكثر من ذلك فوقف عند هذا الحد . وواصل بعضهم السير وراض نفسه على الصبر ، فتخرجوا من دار المعلمين العالية . وصبر الأقل الأقل منهم فعادوا بشهادات الدكتوراه من جامعات أوروبا وأمريكا . وقد كان من ألطف ما صادفني أن بعض من عرفتهم تلاميذ في دار المعلمين الريفية عرفتهم فيما بعد وهم طلاب في دار المعلمين العالية أيام تدريسي فيها بعد ذلك . أما أصحاب المواهب الأدبية ، فقد كان الأمر مهم صعبا كل الصعوبة ، ولم أتمكن إلا من إنقاذ واحد منهم فقط . وقد كان فيهم من يمكن أن يكون في قابل أيامه من أبرع الكتاب سواء في الصحافة أو القصة أو الأدب أو تاريخ الأدب . ومشكلتهم أنهم إذا أرادوا التخلي عن دار المعلمين الريفية ، فلم يكن أمامهم مواصلة الدراسة في دار المعلمين الابتدائية ثم دار المعلمين العالية ، بل كان عليهم أن يبدؤوا في شق طريقهم الأدبية منذ الآن ، وذلك بان يلتحقوا بمؤسسة صحفية تكتشف مواهبهم تدريجيا حتى يكون لهم فيها المكان المؤهلين له ، وهذا لم يكن ميسورا ، وكان إذا تيسر لا ينتج إلا راتبا قليلا لا يكفي النفقات اليومية ، وهذا ما لم يكونوا يجرؤن على الاقدام عليه . ولكثرة ما واصلت تشجيع أحدهم صادق الأزدي جاءني في يوم من الأيام وقال أنه وجد عملا في إحدى المؤسسات الصحفية براتب شهري قدره ثلاثة دنانير ولكنه عمل لا يتصل بالكتابة في الصحيفة بل ببعض شؤونها الأخرى ، لذلك قرر رفضه لأن الدنانير الثلاثة لا تعني شيئا في الحياة البغدادية التي عليه أن يحياها ولأن عمله لن يكون تحريريا تبرز فيه مواهبه . فأنكرت عليه رفضه ، وقلت له اذهب الآن فاقبل العمل بشرط أن تبدأ منذ الأسبوع الأول من مباشرتك العمل بان تكتب فيما يتصل بالشؤون الصحفية ، وتقدم ما تكتبه إلى رئيس التحرير رأسا ، وأؤكد لك أنه ما أن يتأكد رئيس التحرير بأنك صاحب هذه الكتابة حتى ينقلك إلى التحرير في الجريدة وحتى يتضاعف راتبك ثم يتضاعف . وبالفعل فان راتب الدنانير الثلاثة لم يكن إلا شهرا واحدا ، إذ أصبح في الشهر الثاني خمسة ثم تضاعف وتضاعف ، ثم جاء وقت أصبح فيه صادق الأزدي رئيس تحرير جريدة من أكبر جرائد بغداد ، وفي الوقت نفسه كان صاحب مجلة أسبوعية سياسية من أكثر المجلات رواجا وشهرة . والوفاء العراقي الأصيل كان في صميم صادق الأزدي فلقد لقيت من وفائه ما هو حري بابن الرافدين دجلة والفرات . . . ومن بين الذين أعياني أمرهم كان غانم الدباغ ، فان غانم هذا كان أديبا موهوبا لا سيما في القصة ، وقد حاولت إنقاذه من المصير الذي سيصير إليه معلما قرويا منبوذا في قرية قصية موحشة تقتل فيها النفس قبل المواهب ، وقد عز علي أن تخسر العربية مثل هذا الكاتب المبدع ، فحاولت شتى المحاولات دون جدوى . وكان من أهم عوامل الفشل هو جبن غانم نفسه ، وهو جبن لا يلام عليه ، فقد كان يصعب عليه التخلي عن الحياة المطمئنة التي يحياها الآن